محمد متولي الشعراوي
128
تفسير الشعراوي
إذن فقد عرفت الروح بأثرها ، والروح مخلوق اللّه . . فكيف تريد وأنت عاجز أن تدرك مخلوقا في جسدك وذاتك وهو الروح بآثارها . . ان تدرك اللّه سبحانه وتعالى بحواسك . ونحن إذا آمنا بالقمة الغيبية وهو اللّه جل جلاله . . فلا بد أن نؤمن بكل ما يخبرنا عنه وان لم نره . . ولقد أراد اللّه تبارك وتعالى رحمة بعقولنا أن يقرب لنا قضية الغيب فأعطانا من الكون المادي أدلة على أن وجود الشئ ، وادراك هذا الوجود شيئان منفصلان تماما . . فالجراثيم مثلا موجودة في الكون تؤدى مهمتها منذ بداية الخلق . . وكان الناس يشاهدون آثار الأمراض في أجسادهم من ارتفاع في الحرارة وحمى وغير ذلك وهم لا يعرفون السبب . فلما ارتقى العلم وأذن اللّه لخلقه أن يروا هذا الوجود للجراثيم . . جعل اللّه العقول قادرة على أن تكتشف المجهر . . الذي يعطينا الصورة مكبرة . . لأن العين قدرتها البصرية أقل من أن تدرك هذه المخلوقات الدقيقة . . فلما اكتشف العلم المجهر . . استطعنا أن نرى هذا الجراثيم . . ونعرف أن لها دورة حياة وتكاثر إلى غير ما يكشفه اللّه لنا من علم كلما تقدم الزمن . . إن عدم قدرتنا على رؤية أي شئ لا يعنى أنه غير موجود . . ولكن آلة الإدراك - وهي البصر - عاجزة عن أن تراه ، لأنه غاية في الصغر . . فإذا جئت بالمجهر كبر لك هذا الميكروب ليدخل في نطاق وسيلة رؤيتك وهي العين . . ورؤيتنا للجراثيم والميكروبات ليست دليلا على أنها خلقت ساعة رأيناها . . بل هي موجودة تؤدى مهمتها . . سواء رأيناها أو لم نرها . فلو حدثنا أحد عن الميكروبات والجراثيم قبل أن نراها رؤية العين . . هل كنا نصدق ؟ . . واللّه سبحانه وتعالى ترك بعض خلقه غير مدرك في زمنه لبعض حقائق الكون ليرتقى الانسان ويدرك بعد ذلك . . وكان المفروض أنه يزداد ايمانا . . عندما يدرك وليعرف الخلق بالدليل المادي أن ما هو غيب عنهم موجود وان كنا لا نراه . . واللّه تبارك وتعالى قد أعطانا من آياته في الكون ما يجعلنا ندرك أن لهذا الكون خالقا . . فالشمس والقمر والنجوم والأرض والانسان والحيوان والجماد لا يستطيع أحد أن يدعى انه خلقهم . . ولا أحد يمكن أن يدعى أنه خلق نفسه أو غيره . .